السبت، 13 أكتوبر، 2012

بحث: وسائل الإعلام وأثرها في المستوى اللغوي

وسائل الإعلام (المقروءة والمسموعة والمرئية)

وأثرها في مستوى الأداء اللغوي باللغة السليمة

Majless72-866

العربية في وسائل الإعلام العربية والحصار

قضية اللغة العربية في وسائل الإعلام ليست جديدة، هي حاضرة في السياسات اللغوية القائمة في الدول العربية؛ من هذه الدول من تجعل للعربية مكانا كافيا ومنها من تسوى بين العربية ولغة من اللغات تنتخبها انتخابا في المساحات الإذاعية، بحيث تكون لكل منهما إذاعتها كالمغرب في فعله بالعربية والفرنسية، ومنها من حررت قطاع الإذاعة المرئية والمسموعة وشرطت شروطا كمصر، ومنها من حررت القطاع ولم تضع شروطا على اللغة ولا على نوعها التصنيفي إلا الشروط المهنية كالمغرب. ولكن الاختيارات اللغوية تتبع القوة بمختلف أصنافها، ولذلك فمنزلة العربية الفصحى في هذه الإذاعات متدهورة بالمقارنة مع العربية الدارجة المغربية الهجينة المفرنسة عمدا دون موجب دلالي أو تواصلي. دارجة سافلة لأنها خليط من الدارجة العربية المغربية ودارجة عربية مفرنسة من إنتاج تلاميذ الثانويات التابعة للبعثة الفرنسية.

وإذا تركنا المغرب إلى مصر وجدنا الدارجة المصرية غالبة على الإعلام المنطوق أما الإعلام المكتوب فلغته عربية معاصرة، وأحيانا منحرفة كالحال في صحافة الدول العربية كلها، خاضعة معياريا للدارجة المصرية ولآثار الترجمة، بدليل سهولة الترجمة بين تلك العربية والدارجة المصرية واللغة الأجنبية. وهذا متيسر فهم أسبابه، فالمقارنة بين لغة الصحافة اليوم وفي أول القرن العشرين في كل البلدان العربية ذات الاشتغال الصحفي المبكر تبين قوة تأثر العربية المعاصرة الإعلامية بخيال اللغتين الفرنسية والإنجليزية على الخصوص، وبالدارجة العربية تركيباً ودلالة. وربما كانت بلدان المغرب العربي أشد وعيا بالفرق بين العربية الفصحى والدارجة العربية، ولذلك ترى المتحدثين الرشداء في الإذاعة المنطوقة أو المرئية يختارون الفصحى وإن لم يجيدوها أحيانا، أو يختارون الدارجة القحة، وأحيانا يفرون إلى الفرنسية لعجزهم عن العربية الفصحى وكرههم للإجابة بالدارجة المغربية العربية، بل إن هذا ما سهل على الحزب الفرنكوفوني فرض الدارجة العربية المشوّهة بالفرنسية في الإذاعات المنطوقة، فهي على كل حال دارجة وتشويه الدارجة أخف وقعا على نفوس الجمهور من تشويه الفصحى. سبب ذلك إن التحدث بالعربية الفصحى أو الفرنسية عند هؤلاء هو رمز التعلم والثقافة. أما الحديث بالدارجة العربية العامية فيدخلهم في الدهماء والسوقة. وهذا ما لا نلحظه عند المصريين مثلا، فكبارهم في الثقافة والسياسة والإعلام لا يتحرجون من التحدث في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بالدارجة المصرية العربية التي ليست عندهم رمزا للدهمائية.

الدارجة العربية مربوطة فكريا عند المغربي باللاتعلم؛ لا يعد عند طائفة من المغاربة متعلما إلا من يتكلم بالعربية الفصحى أو بلغة متعلمة كالفرنسية. هذا سر استعمال عدد من الرسميين ومن المغاربة في أحاديثهم العمومية الإذاعية اللغة الفرنسية. أنهم يجهلون الفصحى ولا يريدون التحدث بالدارجة لأنهم يريدون أن يبدوا في صورة المتعلمين. وفي السنوات الآخرة تحول هذا الوهم إلى أعضاء شبان في الحكومة المغربية يجهلون بعض العربية ويعرفون بعضها، فانقلبوا إلى الفرنسية في تصريحاتهم وخطبهم الإذاعية، بل إن هذا الوهم انتقل إلى التجار، فصاروا يزينون واجهات متاجرهم بالإعلانات الفرنسية، ولا سبب لذلك إلا التظاهر بالتعلم وما يجلبه من رفعة متوهمة، وخصوصا إذا كان ذلك التعلم موجها إلى جهة لغوية مؤيدة ومرتبطة بمصالح جماعة مهيمنة.

والملاحظ في هذا الخصوص انه ليس هناك تطابق بين معنى الحزب الفرنكوفونى الذي ذكرناه آنفا ومعنى الناطقين بالفرنسية أو العارفين بها، ففي ذلك الحزب من لا يحسن من الفرنسية شيئا وإنما هو تابع. وأقرب مثال لذلك التجار في ما يكتبون على واجهات متاجرهم، والأمر نفسه ينطبق على ما يمكن تسميته بالحزب العربي، ففي العارفين بالفرنسية وغيرها من اللغات من هو من أنصار العربية واستعمالها في كل المجالات. الحاصل أن الجهل بالفصحى هو الذي فتح الطريق للدارجة العربية المغربية المشوهة في الإذاعات المنطوقة وخصوصا الحرة. وحين نتحدث عن الجهل بالفصحى فإننا نقصد الطبقة الفرنكوفونية المسيطرة. أما حقيقة الأمر في الجمهور فتدل عليه نسبة مشاهدة الفضائيات العربية ومبيعات الصحف، فإن العربية منها تبيع أضعاف أضعاف الصحف الفرنسية. أما الصحف الناطقة بالدارجة فلا يعلم منها إلا مجلة واحدة تمزج العربية المعاصرة بمقالات دارجة، ولكنها تلقى الاستنكار من القراء، ولو علم المشرفون عليها وهم من الحزب الفرنكوفونى أن الدارجة مقبولة من الجمهور لتركوا العربية الفصحى المعاصرة إلى الدارجة، ولكنهم نكصوا عن ذلك خوفا من الكارثة الربحية. ويدل على انتشار العربية الفصحى المعاصرة في الجمهور العربي الممثل للأغلبية والأمازيغى- وهو الانتشار الذي لا تعكسه وسائل الإعلام - العمل الإعلامي للحركات الأمازيغية، فإنك تراها تدعو إلى نفسها وتنشر أفكارها وتدافع عما تسميه هوية لها في الصحف والمجلات الناطقة بالعربية الفصحى المعاصرة.

والحاصل مرة أخرى أن العربية الفصحى حاضرة في الجمهور ولا خوف عليها، وإن كانت الأخطار والمؤامرات تحاك لتقزيمها. ولكنها لا تحظى في وسائل الإعلام بما يناسب ذلك الحضور الطاغي في جمهور المغاربة. ويبدو أن السبب في ذلك اقتصادي تشغيلي؛ فالطبقات الفرنكوفونية المسيطرة تريد أن تدافع عن الفرنسية بالخسارة أي بالإنفاق عليها من غير ربح مرجو، وبتمييع العربية بمستوياتها. دليل ذلك اللوافت الإعلانية الإلكترونية وغير الإلكترونية التي توزعها الشركات في الطرقات، أو تنشرها الإدارة في الصحف والمجلات، فإن واحدا في المائة من المغاربة يفهمها ولا بد أن الأغلبية تسأل العالم بالفرنسية عن معنى ما هو مكتوب فيها. ولكن الجهاز الاقتصادي والإداري مصرّ عليها بالرغم من الخسارة المتحققة من عجز تلك اللوافت عن النفوذ إلى إفهام المغاربة الجاهلين في أغلبيتهم بالفرنسية. لا سبب لهذا الإصرار على الإعلان والإعلام بالفرنسية في الوسائل المكتوبة والمرئية والمسموعة بالإضافة لما ذكرناه من قبل إلا إكراه المغاربة على تعلم الفرنسية قبل غيرها إن شاؤوا ان يعيشوا وهم يدركون ما يجرى حولهم بالفرنسية من إعلان وإعلام ولوافت متاجر وإدارات, وتخييرهم بين ذلك وبين الشعور بالغربة في بلادهم، وإرضاء الميول اللاواعية عند الفرنكوفونيين العارفين بالفرنسية والجاهلين بها التابعين للعارفين. الغرض مسح هويتهم العربية.

ليس الأمر أمر وسائل تكنولوجية، فشركات الإعلان والمعلنون يتحولون إلى العربية بمناسبة الدعوة إلى شراء كبش عيد الأضحى والاقتراض البنكي والدعاية الانتخابية وما شابه ذلك. وكأنها حين تخاطب بالفرنسية في أغلب الشؤون وخصوصا في الدعاية للبضاعات الثمينة لا تتجه إلى هؤلاء المغاربة، ولكن إلى مغاربة فرنكوفونيين يمتازون بالقدرة المالية وفيهم من لا يعرف الفرنسية ولكن يميل إليها أيديولوجيا وذوقيا بحكم مركزه المالي، كما يتصور ويسأل من يحسنها أن يترجم له ما في الإعلان المرفوع.

أضف إلى ما تقدم أن هذا الواقع في وسائل الإعلام والإعلان له هدف آخر؛ هو فتح باب العمل أمام خريجي المدارس الفرنسية الجاهلين بالعربية الفصحى وبالدارجة العربية المغربية الصافية، ومنها تمييع العربية بأصنافها وتقديمها إلى المستمع في صورة اللغة المعتمدة على الفرنسية في أبسط المعاني.

يمكن الحديث في المغرب على صعيد اللغة الإعلامية المنطوقة عن حوالي ستين في المائة من اللغة العربية المعاصرة المضبوطة في الإذاعة الرسمية وخصوصا في نشرات الأخبار، وعن مائة في المائة من العربية الدارجة المفرنسة المشوهة في الإذاعات الحرة، ويمكن توسيع نطاق هذه الإحكام لتشمل دول المغرب العربي.

لا ينحصر أمر مضايقة العربية في ما تقدم، فإن عوامل مضايقة العربية تمتد إلى النصيب الذي اقتطع من الإذاعة العربية المرئية ليمنح للفرنسية وللأمازيغية أي البربرية، مع ملاحظة أنها خصصت لها محطة خاصة بها ولم يقتطع من المحطة البربرية شيء للعربية. وقبل البربرية كانت الفرنسية وما زالت تقتسم مع العربية نصيبها الزمني في الإذاعة المرئية لا المسموعة التي فيها للفرنسية محطة رسمية خاصة ومحطات خاصة. باختصار ليس هناك محطة مرئية إذاعية خاصة بالعربية الفصحى في المغرب خالية من غيرها. وإنما هناك محطة مختلطة رسمية للعربية فيها نصيب كبير بتموجاتها اللهجية، ومحطات حرة ناطقة بالعرنسية المغربية. نعم هناك كثير من المحطات الإذاعية المرئية الفضائية المغربية، ولكنها تخضع كلها لأصل الاختلاط ولا تنجو من ذلك إلا المحطة البربرية.

الكارثة العظمى والغائلة الفاحشة التي تسببت في هذا الاختلاط اللغوي البارز في وسائل الإعلام وفي وسائل الإعلان أيضا وفي كل مناحي الحياة في المغرب والمغارب الأخرى هو غياب نخبة سياسية ذات مشروع مجتمعي لغوي أو مشاريع مجتمعية لغوية متنافسة. الدول في الشمال الأفريقي العربي التي تعرف تعددية حزبية نجدها خالية من قيادات تستحق اسم النخبة السياسية كما تستحقها النخبة الفرنسية بكل اتجاهاتها مثلا. النخبة تقوم حين تترادف في معناها النخبة الثقافية بالنخبة المشرعة ترادفا تاما أو غالبا، أو حين تستطيع النخبة السياسية تمثيل النخبة الثقافية. ما في المغرب الأقصى مثلا هو نخب سياسية بين قوسين ومشعوذة. ليس لها مشروع ولا مشاريع للوضعية اللغوية ولا تستحق اسم النخبة السياسية لأن الوصول إلى موقع التقرير فيها لا يتم بوسائل سياسية متعارف عليها في الديموقراطيات، ولأنها برهنت في السنين الأخيرة عن شعوذة سياسية عظيمة. وهذا في مقابل حضور نخبة فكرية واسعة ولكنها غير سياسية وليس في يدها من الأمر شيء، هذه النخبة السياسية- تجوزا- بين موقفين؛ فهي إما مهملة للقضية اللغوية في الإذاعة ووسائل الإعلام، وإما تابعة لمواقع القوة والمال التي تمثل وحدها مشروعا مجتمعيا يضم القضية اللغوية ويحقق غاياته فيها، ويستحق اسم النخبة السياسية القدرية وإن اختلفت الآراء حولها. لذلك فإن كارثة الاختلاط اللغوي في وسائل الإعلام لم تجد في النخبة الحزبية مجازا من يفكر بوسائل سياسية في إصلاحها، بل إن هذه النخبة الفارغة من معاني النخبة لم تنتبه إلى سوء صياغة الفقرة الخاصة بالعربية في الدستور الجديد بالرغم من أنها استشيرت فيه. إنها صياغة أقل ما يقال فيها أنها مبهمة مظلمة، تنص على أن العربية تظل لغة رسمية ولا تقول إنها اللغة الرسمية. أضف إلى ذلك أن وراء الصياغة وحولها ووراءها وأمامها اعتقادا بترادف العربية الفصحى والدارجة العربية، وفي ذلك ما فيه من مغالطة علمية، فإن الدارجة عربية ولكنها مستقلة، ومن حكم بترادفها مع الفصحى فإنما أراد أن يلغي ذكرها من الدستور لتصبح الأمازيغية ندا للعربية الفصحى.

والنتيجة على مستوى وسائل الإعلام معروفة من الناحية النظرية على الأقل وهي المناصفة في النفقات والمحطات الإعلامية والثنائية اللغوية بمساوئها. وهو الحل الذي لم تلجأ إليه الدول الحكيمة كفرنسا ذات اللهجات الكثيرة التي لا مكان لها في الدستور ولا في وسائل الإعلام الكبرى.

لقد برهنت النخبة السياسية - مجازا- التي استشيرت في أمر الدستور الجديد وفي الصياغة الخاصة بالعربية منه على جهلها بالحدود العلمية اللغوية، وعلى فقدانها القدرة على صياغة البند الخاص بالعربية بطريقة لغوية سليمة. لماذا عرجنا على اللغة والدستور؟ لأن الوضعية الدستورية الجديدة سيكون لها تأثير على الوضعية الإعلامية يزيد في نهاية الأمر من قوة الفرنسية في وسائل الإعلام تحت ستار التنازع المفتعل بين لهجات الأمازيغية وهي كلها لهجات، وبين العربية ودارجتها.

إن الغرض الأساسي للحزب الفرنكوفوني المستتر في المغرب هو محاربة العربية لفائدة الفرنسية. والأمازيغية ليست إلا سلاحا فرنكوفونيا من جملة أسلحة يراد به إلجاء المغاربة إلى الفرنسية لتكون حلا وسطا في النزاع اللغوي المرتقب. إن ضرب العربية وإضعاف موقعها الرمزي لا يتأتى بالفرنسية، ولكنه يتأتى باختلاق ذلك النزاع حتى إذا أنزلت العربية الفصحى عن وحدانيتها الرمزية سهل بعد ذلك استجلاب الفرنسية بدعوى ضعف الأمازيغية وعجزها عن القيام بوظائف لغة معاصرة، وبدعوى منع الدكتاتورية اللغوية العربية، وبدعوى قدرة الفرنسية على القيام بدور اللغة الوسطى الحاملة للسلم اللغوي.

لم يتجرأ الحزب الفرنكوفونى المستتر على الإشارة إلى الفرنسية ضمن روافد الثقافة المغربية في الدستور، وإن كانت لها اليد الطولى في وسائل الإعلام والإدارة والتجارة والاقتصاد وفي الثقافة المغربية. لكن مادام قد تجرأ على الاعتراف الدستوري بالرافد العبري الانعزالي تاريخيا، الذي تخلو منه الثقافة العربية إلا في باب الخرافات الإسرائيليات المتسربة إلى التفسير القرآني الذي مازال مذهب منه يغتصب حقوق العرب. فلماذا لا يجوز أن يكون الاعتراف الدستوري بالرافد العبري مقدمة للاعتراف بالرافد الفرنسي وغيره، بحيث تصبح العربية وتاريخها وثقافتها وماضيها مجرد رافد من الروافد؟ لماذا لا يكون الاعتراف بتلك الروافد مقدمة لمخطط مستقبلي غايته تقزيم العربية وتقزيم اللهجات المحلية ومنها البربرية، وتحويل المغرب إلى بابل جديدة تحتلها لغات كثيرة كما جاء في الأسطورة القديمة؟ الغرض واضح هو زعزعة استقرار العربية الفصحى باللغات المحلية وبغير اللغات المحلية، تمهيدا لبقاء الفرنسية لغة متعملقة بين لغات كثيرة قزمة أو مقزّمة، وإلى تخليد وإثراء الاختلاط اللغوي في وسائل الإعلام والتعدد الثقافي واللغوي المفتعل.

إن العربية الفصحى والدارجة مازالت تحتل الرتبة الغالبة؛ إذ يتحدث الدارجة العربية أكثر من 80 في المائة من المغاربة، وأكثر من ذلك في البلدان المجاورة، ولا خوف أيضا على العربية الفصحى إن اخترنا جانب التفاؤل. ولكن لا بد من الانتباه إلى مؤامرات الحزب الفرنكوفونى الذي ليس موجودا على خريطة الأحزاب قانونيا، ولكنه موجود فعليا وله سيطرة على جزء كبير من دواليب الإدارة.

حاصل الأمر أن الاختلاط أو التعدد اللغوي في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أو المنطوقة, الذي لا ينحصر في الأمازيغية والفرنسية, الذي يفتح الباب في المستقبل للهجات الدارجة العربية الصحراوية والأندلسية وللغة العبرية و و و إلخ صار له سند قانوني في الوضعية الدستورية الجديدة بالمغرب.

الازدواجية:

تعرف اللغات وضعيات ازدواجية مختلفة، وتكون للازدواجية آثار على اللغة واستعمالها في وسائل الإعلام. العربية تعرف ازدواجية العربية الفصحى والدارجة والعربية الوسطى. سؤال: ما الذي تتميز به العربية الفصحى، ونقصد بها عربية كعربية أبي حيان التوحيدي أو عربية الحديث النبوي؟ يبدو أن أبرز ما يميزها غياب الخيال الأجنبي عنها، والتزامها بالتسمية المنطقية وبالتركيب الجملي المنطقي أيضا. ما الخيال الأجنبي؟ إنه الصور البلاغية المنقولة من لغات أخرى. هذه الصور في عربية أبي حيان محلية أصيلة منحوتة من الجهد الخاص لأبي حيان، أو موروثة من الكتابة العربية السابقة. ما يقال عنه يقال عن ابن المقفع مثلا، وعن آخرين كالعماد الأصفهاني ولسان الدين بن الخطيب والمسعودي وابن شداد والطبري وغيرهم. الألفاظ في عربية أبي حيان وعربية أي كاتب صحفي معاصر مرئي أو مسموع واحدة، ولكن ثمرتها البلاغية والمنطقية التركيبية في أحوال كثيرة مختلفة.

قد لا يكون هناك اختلاف غالبا في الوظائف النحوية أو الصرفية تثير انتباه المبتدئين، ولكن هناك اختلافا في التزويج بين الألفاظ. لنضرب المثال للانحرافات البلاغية المتمثلة في الربط بين الألفاظ من الناحية الدلالية لا التركيبية. هل نستطيع مثلا أن ننسب إلى كاتب عربي قديم العبارة التالية المنقولة من خبر صحفي "بدأ الزوج استصدار وعوده الكاذبة بقرب تسليم صاحبته الورقة المزعومة"؟ لا يمكن ذلك لأن التزويج بين البدء والاستصدار لم يكن من عادات العربية الأولى. أضف إلى ذلك أن العربية الأنيقة الفصحى قد تصف الوعد بالمكذوب لا بالكاذب. لكن العربية الصحفية المعاصرة تلجأ إلى الاستعارة المكنية هنا، فتجعل للوعد شخصية الواعد.

يضاف أيضا إلى ما تقدم أن العربية الصحفية ليست دقيقة، فلا نعلم إلا بالاستنباط مصدر الاستصدار، ثم إن التسليم فيه ضمير مستتر كانت تتجنبه العربية الفصحى القديمة، فكانت تجوز أن تقول "تسليمه صاحبته". بقيت كلمة "المزعومة" التي لا يصح أن تكون نعتا لجسم أو جثة، وإنما يصح أن تكون نعتا لمعنى كالأمر، فالأمر مزعوم فيقال "زعم أمرا"، ولا يقال "زعم كلمة أو رجلا". هنا قد يقال إن الكاتب جعل للجثة أو الجسم خصائص المعنى بطريق استعاري. وكل الحالات السابقة يمكن ردها إلى العامل البلاغي وتصحيحها به، وادعاء أن الكاتب الصحفي يكتب بعربية معاصرة وسطى ويتصرف في الخيال والاعتبارات البلاغية، أو يمكن أن يقال أيضا إن هذه الانحرافات إنما هي نوع من التطور الذي يصيب اللغة، ويوجهها نحو المستقبل تبعا لسوسور في كتابه المشهور.

بجانب هذا المثال أمثلة أخرى تنتمي إلى باب الانحرافات المنطقية هذه المرة لا البلاغية، وجار بها العمل في الصحافة المصرية المكتوبة والمرئية والمسموعة عن المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية. هو ليس محتملا ولكنه محتمل ترشحه. وكل ما في الأمر- إن شئنا أن نعلل هذا الانحراف بلاغيا- أن المرشح شبه بالترشح وأضيف إليه شيء من لوازمه وهو الاحتمال. هذا إذا شئنا تبرئة اللغة الوسطى الصحفية من الانحراف والغلط اللغوي. ويبدو أن ذلك واجب، فإن الممارسة اللغوية تخضع تاريخيا لاختلاف الخيال والأسس البلاغية باختلاف الظروف والأحوال. لكن لا بد أن نشير إلى أن جملة الاختلافات بين اللغة الفصحى والوسطى الصحفية هي الآن أوسع وأكبر من الاختلاف بين عربية الجاهليين وعربية أواخر العباسيين.

طيب. هذا الخيال البلاغي المميز والحدود المعجمية والتأليفية للعربية الصحفية من أين جاءت؟ إن شدة تميز العربية الصحفية أو الوسطى في الخيال البلاغي وفيما يستتبع ذلك من معجم وتأليف عبارات يعود إلى عاملين؛ الأول اللغة الأجنبية وتأثيرها على الخيال الكتابي الإنشائي والثاني اللغة الدارجة.

بالنسبة إلى اللغة الأجنبية يلاحظ سهولة النقل من العربية الصحفية إلى اللغة الأجنبية، وان لم يكن الصحفي عارفا باللغة الأجنبية. لماذا؟ لأنه تابع للأول الذي نقل العبارة إلى العربية وخيالها. تفكر في "تحت الضغط" في عبارات مثل "تحت ضغط الظروف الاقتصادية"، وفي عبارات يتأخر فيها الحال عن عامله وبعد أن يكون انقطع عن صاحب الحال والعامل. وذلك مثل ما ننقله هنا عن أقدم الصحف المصرية، وإنما نضرب بها المثال بالصحيفة المصرية لمكانتها "ويرى فلان أنه من الأفضل... وذلك لوضع الأمور بشكل تشريعي... وأنه لا بد.... مشيرا إلى"، والصواب هو "وأشار"، ومثل ذلك في الصحيفة نفسها "إنه يراهن... لأن...موضحا". فهل ترى شيئا أسهل على الترجمة منها؟ السبب أن بعضها ترجمة لخيال اجتبى، وأن بعضها الآخر نقل لتركيب لغوي إلى العربية من الفرنسية. لو سألت متكلما عربيا قديما لقال "بقهر من سوء الحال".

الظروف الاقتصادية والضغط كل ذلك مستورد من الخيال الأجنبي ومثله كثير في اللغة الصحفية بأنواعها. من ذلك "لاحقا" التي هي ترجمة حرفية للكلمة الفرنسية "اولتريورمان"، وترك للعادة العربية "من بعد أو بعد"، ومنه أيضا "سابقا" التي هي ترجمة حرفية للفظ الأجنبي "انتريورمان". ومنه ما شاع حتى نسي أصله مثل "بشكل أو بآخر". من ذلك أيضا "الشفافية"، و"عبر التصويت في البرلمان".

لا نعدم من يعرف كيف كان يعبر العربي في العصر العباسي عن الشفافية بالمعنى الاصطلاحي لها الآن في باب المالية العامة. ربما كان اللفظ هو الإظهار أو العلانية أو ما شابه، إذ كان الاستشفاف والشفوف خاصا بالمعاني المادية في العربية الفصحى. شف يشف فهو شافّ، أي يُرى ما وراءه، ومنه المصدر الشفوف. هل كان القدماء يجهلون معنى الشفافية؟ لا، فالشفوف والاستشفاف من لغتهم، والعربية المعاصرة الصحفية لا تستغرق كل المعاني المذكورة لفعل الشفوف في العربية الفصحى. لكن الملاحظ أن الشفافية ليست من اجتهاد العربي، ولكنها مجرد ترجمة لسببين واضحين؛ الأول أن الشفافية في العربية الصحفية، أي الوسطى، منعزلة عن اشتقاقاتها أي أخواتها الاشتقاقية الموجودة في العربية الفصحى، أي أنها غير مولدة، والسبب أنها مترجمة وحدها، والحال أنها في الفرنسية مثلا اسمها ترانسبارانس، ولكنها فيها متصلة بفعل مولد هو ترانسباريتر. والثاني أن الشفافية بالمعنى الاصطلاحي الذي وجهت إليه بالترجمة ليس هو معناها في العربية. معناها في العربية هو كل جسم يظهر ما وراءه فهو شافّ لما وراءه أو شفاف بصيغة المبالغة. أما معناها الاصطلاحي فهو حالة المؤسسة أو الإدارة التي تكشف حساباتها للمستطلعين. هذا المعنى الثاني الاصطلاحي أقرب إليه لفظ الكشف والإظهار والإسفار. إذن يظهر أن المترجم الأول الذي أدخل هذه الكلمة إلى اللغة العربية الصحفية غاب عنه هذا الأمر، فلجأ إلى استعارة الشفوف للإسفار والإظهار والإبانة والكشف وألفاظ أخرى. وإنما صنع المترجم الأول هذه الاستعارة لأنه كان يريد ترجمة حرفية, واللفظ الأجنبي فيه سابق صيغي يدل على العبور ومعنى اللفظ الحرفي "الظهور من خلال"، فكان الشفوف يفيد ذلك وينقل خيال اللغة الأجنبية. والحال أن الترجمة لا ينبغي أن تنقل خيال النصوص الأصلية، وإنما ينبغي أن تنقل النصوص الأصلية إلى خيال اللغة المترجم إليها.

في بعض الأحيان تكون الترجمة عن اللغة الأجنبية موردة على العربية عناصر فاقدة للمنطقية. من ذلك قولهم في الصحافة بأنواعها في كل الدول العربية "التصريحات غير المسؤولة أو المواقف غير المسؤولة". ماذا يظل للعربية من منطقية ولفظ السؤال يتحول إلى معنى الرشد. السفيه غير الرشيد عبارة تتحول بصورة غير رشيدة إلى غير المسؤول! يشبه هذا المثال مثال آخر هو استعمال التفعيل عوضا عن التفعل في مثل "حرمان كل أعضاء الحزب الفلاني من الترشيح" والمقصود الترشح أو ترشيح نفسه. ومن ذلك أيضا ترجمة الفرنسية "كونطر" ومثيلتها الإنجليزية في مثل قول الصحافة العربية "التظاهر ضد الحملة القمعية" والصواب "ضدا على". ومنه أيضا تقديم "شتى: تقليدا للعبارة الفرنسية والإنجليزية في مثل "في شتى مجالات الحياة"، والمصيبة العظمى في قولهم "مزرعة دواجن"، عوضا عن "مدجنة" أو ما في معناها.

وفي ذلك كله وقديما ترجم بعض التراجمة نصوصا من اليونانية بخيال اليونانيين كالحال في بعض ترجمات كتاب الشعر، فلم تف الترجمة بالغرض، حتى جاء ابن رشد فوضح الغامض مما ترجم. ولعل أقرب مثال أشد إبانة للأمر مما تقدم كلمة التنمية التي جعلت عوضا في العربية الصحفية عن developpement، فإن "التنمية" تنقل الخيال الاقتصادي وتفقد العربية منطقيتها الدلالية، إذ ترى في كل إنتاج إضافة تنمى وتكبر وتعظم البلد المنمى، لكنها في العربية شيء زائد لا حاجة إليه؛ لأن في العربية لفظ التطوير الذي ينقل خيالا أدق وأفضل، ولو كانت أحكام الفرنسية تساعد على اشتقاق مثله من فعل evoluer لاستغنت عن الدفلبمان.

هناك سبب آخر متصل بالترجمة عن اللغة الأجنبية هو الكسل اللغوي. في العربية المعاصرة التي هي العربية الصحفية نجد كلمة "رصيد" عوضا عن سولد. ونجد جمعه "أرصدة". هذا من الكسل اللغوي. كيف؟ لا يكلف الصحفي نفسه مراجعة أصول اللغة ومعجماتها. لو فعل لوجد "الحسب" ولاستغنى عن اختراع كلمة الرصيد أو عن اتباع من اخترعها لنقل الخيال الأجنبي وما فيه من قضاء على الهوية الدلالية والمنطقية للعربية. كيف لأمة تعجز عن امتلاك خيال خاص بها في لغتها يكون جوهرا لها وتتخرب منطقيتها بالترجمة الفاسدة الدلالية المنطقية والتركيبية أن تطمح إلى امتلاك ما فوق ذلك؟ ولو راجع مخترع الرصيد لوجد أن فعيل في رصيد بمعنى مفعول، فالرصيد صفة وهو المرصود، وفعيل إن كان صفة لا يجمع على أفعلة. وجمع هذا الوزن سماعي فوحيد تجمع على وحدان وبعير على بعران وقتيل على قتلى وجميل على جمل ككتب، لكن المؤكد أن فعيل المشتقة لا تجمع على أفعلة.

ومن هذا أيضا "يتحسبون"، و"يلتفون على الشيء"، و"الحزمة"، و"الفروة"، و"تفعيل القانون". الأولى إنما اخترعها الذي يجهل الفعلين "يستعدون، يحتاطون" وغيرهما، وأما الثانية فاخترعها من يجهل "يتجنبون، يتفادون" وغيرهما، وأما الثالثة فاخترعها من يجهل أن في العربية لفظ الزمرة وما شابهها في المعنى، وأما الرابعة فاستعملها في معنى جلدة الرأس البشري وشعره من يجهل أن ذلك يسمى الجمة، وأما الخامسة فليست إلا ترجمة لقولهم في الفرنسية "ميز اون اوفر" وهي ترجمة لخيال ومعنى ومنطق لا حاجة إليه في العربية؛ لأن في هذه اللغة كثيرا من الألفاظ التي تدل على المعنى الفرنسي ولا تدخل عليها الغموض واللامنطقية البارز حين نفكر في معنى التفعيل بمعنى التحويل إلى فعل بالمعنى النحوي أو بمعنى صيغة التفعيل في مقابل التفعل.

أضف إلى ذلك أن بعض هذا من حالات الترجمة الناقلة لخيال اللغة الأجنبية بدون عذر ولا موجب إلى اللغة الصحفية، وأن بعضها الآخر من حالات الكسل الذي يكره الصحفي في مراجعة كتب اللغة كشأن الصحفي الفرنسي مثلا. الالتفاف ترجمة لفعل "كونطورني" بالخيال الملتصق به، والتحسب ترجمة للتركيب الفرنسي "براندر اون كونط"، وله مثيل في اللغات الأوروبية الأخرى، والباقي ترجمة بغير تعقل لأن فيه طردا لألفاظ عربية تدل على تلك المعانى بخيال عربي أصيل، وغير مخرب للعلاقات الدلالية البلاغية بين ألفاظ العربية.

العامل الثاني في وضع هوية اللغة الصحفية اللغة الدارجة. إن قيام الدارجة بجنب العربية الصحفية يجعل هذه الآخرة في وضع ازدواجى "ديكلوسي". هذا الوضع يفرض على اللغات الواقعة في حدوده ردود فعل متناقضة. فمن جهة تطرد اللغة المكتوبة من معجمها كل كلمة شديدة الانتماء إلى اللغة الشفوية أو اللغة الأخرى القريبة. ومن جهة أخرى تخضع اللغة المكتوبة إلى شروط الفهم المشاعة بينها وبين اللغة القريبة.

الدارجة العربية هي لغة قريبة من العربية الفصحى والعربية المعاصرة الصحفية. يلاحظ مثلا أن كلمة "ناض، ينوض" بمعنى نهض تنتمي إلى الدارجة المغربية العربية، ولذلك فإنها تطرد من العربية الصحفية والفصحى في المغرب، بالرغم من أنها كلمة عربية صميمة، ولكنها قد لا تطرد من العربية المعاصرة بقلم كاتب مشرقي لأنها عنده كلمة قحة من العربية، ولأنها ليست جزءا من دارجته. هذا من جهة الطرد أما من جهة التأثر فإن اللغة المكتوبة كالعربية الصحفية لا تستطيع أن تخرج عن العالم المفاهيمي الدلالي للدارجة، ولا تستطيع أن تجاوز المشاع بينهما عند العجز عن الطرد. دليل ذلك أن المستعمل من المعجم العربي في العربية الصحفية لا يكاد يجاوز 10 في المائة في أحسن الأحوال من المعجم العربي المنتمي إلى العربية الفصحى. لماذا؟ لأن الكاتب بالعربية الصحفية يعنيه بالدرجة الأولى فهم القارئ، والقارئ غاطس إلى أذنيه في الدارجة العربية، فلذلك ترى الصحفي لا يختار إلا الكلمات التي لها أعظم شيوع، وهي الألفاظ العربية القائمة في الدارجة العربية، بل إنه يعرّب التراكيب الدارجية أحيانا جهلا بالصواب أو تقربا من الدارجة طلبا للوضوح، ومثال ذلك قول الصحفيين "لوحده" وقولهم "يتلطخ" عوضا عن "يتضرج"، بحيث ينقلب المعنى انقلابا كليا في مثل"ومحاسبة كل من تلطخت يده بدماء شبابنا". كاتب هذه العبارة من الصحفيين لا يعلم أنه بعبارته يذم الشباب ويذم دماءهم لأن ما يلطخ اليد هو الأوساخ.

ومنه أيضا "أبو مازن" التي ينقلونها إلى العربية بالصورة الثابتة التي لا تتغير بأحوال الإعراب، والمصيبة الكارثة هي في نقل التركيب الدارجى "كلية" في مثل "والغوص كلية في قضايا الأمة"، ومنه أيضا استعمال "أية دولة متقدمة" و"باقي المدن السورية" و"حيث" في مكان "إذ"، والعكس، واستعمال الأعقاب جمعا للظرف "عقب"، واستعمال "ليس" في مكان "لا"، واستعمال "يلزم" في مكان "يجب"، وكل ذلك في الأمثلة التالية المنقولة عن أرقى الصحف والإذاعات والمحطات المرئية: "في أعقاب الثورة المصرية"، والعقب لا يصح أن يكون جمعا للظرف "عقب". المثال الآخر: "على كل عضو وليس كل الأعضاء"، و"يلزم رفضها" و"لا جدوى من هذه الطعون.. حيث إن أحكام القضاء"، و"في شتى مجالات الحياة" إلخ إلخ.

ومن ذلك أيضاً إخضاع العربية الفصحى لأصول تركيب الدارجة العربية الشرقية في مثل "مع هكذا ظروف". إذن هناك طرد للكلمات الدارجة القحة التي لها عوض مشهور في الناس وقائم في العربية، وهناك بجنب ذلك وقوف عند الكلمات المشاعة بين العربية الصحفية والعربية الدارجة. يدل على ذلك أيضا أنك تستطيع بسهولة ترجمة العربية الصحفية إلى الدارجة العربية مع جهد خاص في ترجمة الأساليب المستوردة من اللغات الأوروبية الإنجليزية والفرنسية خصوصا، كما كنت من قبل لا تجد عسرا في ترجمة العربية الصحفية إلى إحدى اللغتين المذكورتين، مع جهد خاص في ترجمة الأساليب والخيالات الدارجية المتسربة إلى العربية الصحفية.

أضف إلى هذا ما أشرنا إليه في مكان آخر من هذه المقالة ألا وهو الكسل اللغوي عند الصحفي. كيف؟ إذا كنا ننسب كما سنفعل في فقرة مقبلة كسل الصحفي إلى غلبة السماع على بعض الأبواب اللغوية النحوية، فإن ذلك الكسل لا موجب ولا مجيز له في بعض الألفاظ التي يخترعها اختراعا، بسبب كسله عن مراجعة الأصول اللغوية كنظيره الفرنسي أو الإنجليزي أو غيرهما. أتذكر في هذا الخصوص كلمة جثمان وجمعها الصحفي على جثامين. لا وجود للجثامين في أي نص عربي قديم أو من أوائل وأواسط القرن العشرين. كل ما في الأمر أن مخترعي هذا الجمع لا يعلمون، ولا يريدون أن يعلموا أن جثة الميت تدعى في العربية بالجنازة وجمعها جنازات. لقد اتجه ظنهم تأثرا بالدارجة إلى أن الجنازة هي الاحتفال الذي يقام لتوديع الهالك، فبحثوا عن الجثمان والجثامين، وغاب عنهم أن الجنازة في العربية هي جثة الميت نفسها، أي ما يدعونه بالجثمان الذي ليس إلا مصدرا من جثم يجثم، والإشارة به إلى غياب الحركة لا إلى الجثة الميتة نفسها التي اسمها الجنازة. مثل هذا يقال عن الفَعَال بفتح الفاء والعين، الذي هو الكرم والجود، فكيف نفسر بغير الكسل اختراع كلمة الفعاليات لوصف المشاركين في اجتماع أو حفل أو نشاط اجتماعي أو سياسي.

ومثل هذا يقال عن "التلفيات"؛ فهل يعقل أن تكون العربية عدمت كلمة تدل على ما يضيع من توافه في مظاهرة أو مشاجرة؟ لكن الصحفي المتعجل الذي لا يراجع الأصول كما ذكرنا نظر إلى كلمة برت pertes الفرنسية ومثيلتها الإنجليزية وجاء بهذا المخلوق اللغوي الشنيع التلفيات. ومثل هذا تركيب الدول الأعظم الشائعة بين الصحفيين عند الحديث عن الدول العظميات كالذكريات. يقصدون الدول التي بلغت الرتبة الأولى في العظمة، ويجعلونها متعددة، ولا يخفى ما في ذلك من انحراف منطقي، فإن الأول في الرتبة هو على الدوام واحد. لذلك فالصواب المنطقي واللفظي هو العظميات، لأن العظمة يشترك فيها أما الرتبة الأولى فلا.

من ذلك أيضا أي من الأخطاء المنطقية استعمال كلمة الشهيد ترجمة لمارتير. الصحفي الذى أدخل الشهادة في معمعة السياسة يجهل أن الشهيد كلمة ذات لب خاص. إن الشهيد هو الذى يشهد لربه بالملك والألوهية والربوبية، وهي صفات لا تنطبق على القتيل في حرب فيتنام أو أنغولا الذي هلك شاهدا، لما هو شاهد له مما لا نعلم منه إلا كراهيته للاستعمار، فيكون هلك شاهدا على الاستعمار الأجنبى بالظلم.

وتتعدد الأمثلة عن الأخطاء المنطقية، ونكتفي هنا بإضافة مثالين؛ الأول: "مجاناط وهو من المجون أي هو صيغة فعال من ماجن. وعليه فمعنى "أعطيته مجانا" هو أنني أعطيته وأنا في حال مجون، ثم نقلها الجاهل الأول باللفظ المناسب إلى "أعطيته بغير مقابل منه". والحقيقة أن الكلمة المناسبة هي: أعطيته جودا أو سخاء، فلما جهل ذلك اخترع المخترع الجاهل بالعربية كلمة "مجان"، وألقاها على المعنى وفرضها بوسائل الإعلام العربية. طيب. مجان دليل على غياب المنطقية في التسميات العربية الصحفية لكنه دليل قديم. هناك دليل جديد هو الاستمزاج الذي نقل من معناه المنطقي الذي هو طلب المزج، إلى الاستطلاع والاطلاع والإطلال والاكتشاف والمعرفة، والغالب أنه ترجمة ساقطة لكلمة أجنبية أقربها في ظني إن كانت من الفرنسية هو الفعل الفرنسي: بروسبكتى. ما العلاقة بين جذر المزج والاطلاع؟ لا علاقة. إذن لا رابط يربط اللفظ بالمعنى في تلك التسمية الشائعة في اللغة الإعلامية. والغريب أن الصحفيين والإعلاميين العرب يراجعون دروسهم في الفرنسية والإنجليزية إن كانوا يعملون في وسائل إعلامية تستعمل تلك اللغات، ويظهر ذلك في ما يكتبون أو إن استجوبهم مستجوب، والسياسيون مثلهم في ذلك ولكنهم لا يراجعون دروسهم في العربية، ويلجأون إلى الاختراع اللفظي كما بينا هنا، ويقذف بهم ذلك أحيانا إلى اللامنطقية.

لا ينقضي عدد الأمثلة عن اللامنطقية في العبارات الصحفية، فلنضف مثالين: الأول قولهم "جلسنا سويا" عوضا عن "جلسنا كلانا أو أجمعين". لا يصح أن يعد ذلك التعبير من باب نائب المفعول المطلق أي بمعنى "جلسنا جلوسا سويا"، فذلك ليس مقصودا لمن يقصد أنه جالس واحدا أو جماعة. الحاصل أن السوي والسواء بمعناه يضيع وتصبح العربية مستعملة للفظ ذي معنى في مكان آخر، وذلك باب ضياع المنطقية في اللغة. المثال الثاني قولهم "نتيجة اليوم هي كذا وكذا" ويقصدون "هذا اليوم"، أين مظهر ضياع المنطقية في هذا المثال؟ ضياعها في تحول مقدار من الزمان إلى اسم إشارة إلى الزمان. العربية المعاصرة التي أصلها اللغة الصحفية لا تنتهي أمثلة لامنطقيتها عند هذا، وإنما هو قليل من كثير.

نتيجة هذا فقر اللغة الصحفية لأنها واقفة عند معجم الدارجة أي عند المشاع بين الدارجة والفصحى اللذين هما مصدراها، بالإضافة إلى اللغة الأجنبية في باب التخييل، وإلى الأخطاء المنطقية. معجم الدوارج العربية وكل الدوارج التي لم يكتب لها المرور بامتحان الكتابة والثقافة العالمة كالأمازيغية فقير لا يتعدى مائتين أو ثلاثمائة من الكلمات، ولا اعتبار هنا بمعجمات الدوارج العربية، وبمثل بمعجم الأمازيغية الضخم الذي فبركه أحمد شفيق بالمغرب، فإنه نظر في معجم العربية خصوصا وفي معجم الفرنسية بعده، واشتق وصنع ألفاظا مقابلة لنظائرها العربية مما لا أصل له في الممارسات اللغوية الأمازيغية. ويشهد بذلك علماء الأمازيغية ومنهم الأستاذ وسكوم الأستاذ والعميد والمتخصص في اللغويات الأمازيغية والعامة "مذاكرة خاصة". الدارجة العربية طيلة تاريخها الطويل كانت تقتبس من العربية اللغة الغنية بالمعاني - لأسباب لا داعي للإطالة بها هنا- ككل اللهجات الأخرى المقتبسة منها من الأمازيغية في الغرب العربي، إلى لهجات الشرق العربي. كانت كل اللهجات الدارجة المرتبطة بالعربية تقتبس منها وما زالت تقتبس، ولكنها في معمعة التفاعل بين اللغات واللهجات صار لها دور كما قدمنا في وضع حدود العربية الصحفية المستعملة.

لننظر إلى هذه الجملة الصحفية المقتطعة من خبر "أو هكذا يوحي شكله الوقور المغلف بمهابة لحية كثة" ولنقف عند كلمتي الشكل والغلاف. هل في العربية الصحفية ما يعوض به هذان اللفظان بحيث يكون العوض خاصا بالإنسان؟ الشكل يقال عن العمارة وعن الكتاب وعن الشجرة وعن أمور كثيرة وذلك ما يتنافي مع الدقة في الكلام. قد يقول قائل "سمته أو هيئته أو سحنته أو هامته أو جرمه"، ولكن الشكل أقرب إلى الدارجة وأُدخل فيها، ولو نظرنا في كتب المعانى ككتب الثعالبى والربعى وابن سيده لوجدنا لما يخص هيئة الإنسان ما هو أدق من هذا. لنترك الشكل ولننتقل إلى الغلاف. لماذا لم يقل المدثر أو المسجف؟ للسبب نفسه ألا وهو طغيان العربية الدارجة. هو طغيان يمليه قانون الازدواج اللغوي ولا يتحرر من آثاره إلا الفطن النبيه.

لنضرب مثلا آخر أهدى مما سبق: جسم الإنسان والألفاظ الدالة على أجزائه، فهل تجد صحفيا يحفظ تلك الألفاظ ليصف بها حادثة يخبر عنها؟ الجواب واضح؛ إن الدارجة لغة أو لهجة أو وسيلة تعبير تكتفي بالمجمل والعام من الألفاظ، وهذا أمر عام لكل اللغات الدارجة. إنما تنتقل وسيلة الكلام إلى الدقة بعد أن تتحول فعلا إلى لغة تجمع ما تفرق على ألسنة الأفراد. لسان العرب كتاب يضم الآلاف من الألفاظ التي كانت متفرقة ثم اجتمعت في اللغة العربية ممثلة في تاريخها الثقافي. لو كان الصحفي العربى يرجع إلى اللغة العربية لما وجب أن نصف هنا معجمه بالفقر. لكن قد يقال: ما الحل؟ هل نوجب على الصحفي أن يكتب بكل دقائق التعبير والمعجم العربي؟ والجواب أن الصحفي العربي بمعنى الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة كسول لا يكاد يراجع مرة واحدة المعجم العربي أو مختصرا للنحو العربي.

هذه أولى، والثانية أن الصحافة العالمية، ونخص بالذكر هنا الصحافة الفرنسية، تقدم نماذج للكتابة تدل على أن كاتبها لم يألُ جهدا في الكتابة بالدقائق الأسلوبية والمعجمية المطلوبة، والسبب هو إرادة الوضوح، والفرنسيون معروفون بأنهم يصفون لغتهم بالمنطقية والوضوح. ومن البين أن هذين الصفتين لا تكتسبان للغة إلا إن قامت الكتابة فيها على الدقة المعجمية والنحوية، أي وضوح ومنطقية في كلام مكتوب عن الجسد البشري، ولا فرق فيه بين أسماء أجزاء ذلك الجسد، كيف تتحقق المنطقية والعبارة كلها جمل تشبيهية يستعاض بها عن الألفاظ المفردة المجهولة للصحفي وألفاظ عامة مجملة وليست تفصيلية تعيينية؟ إذن اللغة العربية الصحفية فقيرة، وهي لذلك غير واضحة ولا منطقية، بل إنها أحيانا تصل إلى قمة التناقض. ولنضرب لذلك بالمثال "ما زالت القضية الفلسطينية تراوح مكانها". يقصد الصحفي أنها تلازم مكانها، ولكنه في اللغة الغامضة يمضى إلى فعل لا صلة له بالملازمة والثبوت المكاني, إلى فعل معناه يدل على نقيض الملازمة. أضف إلى ذلك في اللامنطقية العبارة المشهورة التي ألقاها سياسي مصرى: "قرر فلان تخليه عن منصب رئاسة الجمهورية"، فهل قرر التخلي مطلقا أم هل قرر نوعا من التخلي؟ لو قرر تخليه كما جاء في التصريح لما كان مقررا مطلق التخلي، والحال أن السياسي المصرح بهذا يقصد التخلي المطلق لا تخليا مقيدا.

لقد ضربت هنا المثال بلغة سياسي، وما ذلك إلا لأن لغتَي السياسي والصحفي شقيقتان متشابهتان تجرى عليهما أحكام متقاربة، ويقترب من ذلك أيضا قول الصحفيين "المستشفى الرئيس" فهذا من الأخطاء المنطقية أيضا لأن الرئاسة لا تكون إلا لعاقل، أما غياب التفصيل والتعيين في العربية الصحفية، فليجرب أحد أن ينقل إلى العربية الصحفية مقالة من مقالات كتّاب الفيغارو الفرنسية، فسيجد أن الألفاظ التي يستعملها الكاتب الفرنسي أكثر بمرتين أو أكثر من ألفاظ الصحفي العربى. أما إن مضينا إلى المجلات المتخصصة مثل لوموند ديبلوماتيك فسنجد أن المترجمين يحتالون بالعبارات والمركبات لترجمة ألفاظ مفردة في الفرنسية المستعملة في تلك الصحف.

إذن لا ينبغى أن نعلل ونبرر فقر المعجم العربي الصحفي بضرورة التواصل مع القراء الذين لا يعرفون من العربية إلا المشاع بينها وبين دوارجهم. العلة الحقيقية في الصحفيين وعلمهم بالعربية وقدرتهم على بذل الجهد كالصحفي الأجنبي الذي لا يفتأ ينظر في معجم ونحو اللغة التي ينظم بها مقالاته ومعانيه. ولو اكتفي الصحفيون الفرنسيون بالألفاظ الشائعة بين العامة لما كان للفرنسية وثقافتها هذا الذيوع، فاللغة ومعجمها هما حملة الثقافة والعلم والمدنية والنور، فإن كان الحامل فقيرا دب الفقر إلى كل شيء وتسرب إلى النفوس والبلد، وتقرر فيها الانحدار في كل المجالات. ولعل أجمل ما اختم به هذه الفقرة عن كسل بعض الصحفيين أن بعضهم ممن يكتب يوميا في الشرق الأوسط واسمه "ط ع" كتب مقالا بلغ فيه إعراضه عن مراجعة معارفه النحوية أنه تحدث في مقاله اليومي عن الشبان والشياب، ونسي أن العربية لا تعرف إلا الشيب ولا تعرف جمع الشياب ولا تقيسه على الكتاب والحكام إلخ، وأن الجموع فيها سماعية ككل اللغات، فالفرنسية ليس فيها مصدر قياسي وكل مصادرها سماعية. وليس ذلك لعيب فيه وإنما هو توهم تسهيل التواصل بتهشيم ظهر العربية. وهذا ما لا تفعله من أمم الأرض أمة إلا العرب, صحفييهم.

إن الفقر لا ينحصر في الألفاظ، ولكنه في إغفال الأوضاع النحوية أيضا، ويكفي أن نشير إلى صيغة "إما يفعلن فافعل" التي نجدها في القرآن المجيد: "فإما ترين من البشر أحدا فقولي.." وأيضا الصيغة الأخرى: "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا". وإلى الخلط بين إن وإذا في التعابير الصحفية، وإلى إمحاء ما يجزم فعلين فيها, وإلى مثل استعمال ليس في مكان لا العاطفة كقول الصحفيين من الخليج إلى المحيط "يفعل هذا وليس هذا" عوضا عن "يفعل هذا لا هذا", وإلى مثل قول الصحفيين "اعتقالات عشوائية أو قصف عشوائي"، وهم في ذلك ينسون أن الصواب هو "قصف عَشائي واعتقال عَشائي" بفتح العين من عشا يعشو عَشاء كغدا يغدو غَدوا وغَداء، وينسون أن عشواء مؤنث أعشى وهي مجاز في العمياء حقيقة في الذي لا يرى إلا الظلام، ومنه عشا يعشو إذا مشى في الظلام؛ فالصواب على ذلك ما اضطررنا إلى الاطالة به هنا إلخ.

ويلاحظ أن الأمثلة الأولى مما ذكرنا هنا كلها أوضاع ذات دلالات تعوض في اللغة الصحفية بجمل مفسرة. ولا ننسى ههنا الجموع التي تتجنب في العربية الصحفية لأنها سماعية وكثيرة أو تعوض بجمع المذكر والمؤنث السالمين. أي الصحفيين يعلم جمع جميل أو بديع؟ وراكب ومالك وساكن وملك؟ ليس فيهم من يراجع ليعلم انه السكن والركب والركوب والملوك وأن الملك جمعه أملاك لا ملوك. وأيهم يستطيع أن يقيس أسماء المرة والهيئة وأن يستحضر أبنية المصادر وأحكام المقصور والممدود؟ القليل. وصيغة التعجب ألم تعوض في اللغة الصحفية بصيغة التكثير وعوضا عن أن يقول الصحفي "ما أعمل هذه الحكومة للصالح العام" تراه يقول: "كم تعمل هذه الحكومة للصالح العام". والحقيقة أن نحو العربية وصرفها يحتاجان إلى اجتهاد جدي إن لم نقل إلى إصلاح، فإن كثرة الأحوال السماعية تقف حجر عثرة في وجه الصحفي، وهو إن حفظها فإنه لا يستطيع أن يقيس عليها. انظر مثلا إلى "نجلاء" في "طعنة نجلاء أو قولة نجلاء"، فإنك لا تستطيع أن تقيس عليها: "كتباء ولا خرجاء" فلا تقول: "امرأة خرجاء" إن كانت كثيرة الخروج، ولا تقول: "فلان ذو يد كتباء".

إن الواجب هو فك هذه العقدة وتحويل هذه الصيغ إلى صيغ قياسية، وستفوز العربية حينئذ بمساحة دلالية كبيرة وسيسهل على الصحفي حينئذ إغناء لغته وصياغاته. لا معنى لأن يشتق من الحسن حسناء وأن لا يشتق من القبح قبحاء، والحال أن قبحاء لم تسمع وحسناء لا يقاس عليها ولا معنى لأن نسمع سكران في العربية ونحرم قياس ضحكان وسمعان عليها، ولا معنى لأن يكون في النحو أبواب لا غاية لها إلا إحصاء السماعي وحفظه. هذا كله ينفر الصحفي ويدفعه دفعا إلى الوقوع في التأثر الضرورى بالدارجة واللغة الأجنبية.

ولا ننسَ في هذا الخصوص أن التأثر ينحصر في الأوضاع المعجمية، أما ما يصح أن يعد غنى في الدارجة العربية من الناحية النحوية فلا ينقل إلى العربية الصحفية بسبب الحواجز الصرفية النحوية. لا يمكن مثلا أن ينقل الصحفي إلى العربية الصحفية صيغة الفعل الاعتقادي الموجودة في الدارجة المغربية، ولكنه يعوضها بصيغة "يمكن أن آتي" في مكان "نجى"، الدارجة التي هي الصيغة الاعتقادية المقابلة للصيغة الاخبارية مثل "تنجى".

حاصل الأمر أن عامل اللغة الأجنبية وخيالها، بالإضافة إلى الكسل اللغوي عند الصحفيين، مضروبا في الكسل اللغوي عند القراء واستشراء عقيدة الوقوف عند مستوى القراء الفكرية، ثم عامل اللغة العربية الدارجة وآثارها, كل ذلك يمثل فلكين تدور فيهما اللغة العربية في صلتها بوسائل الإعلام. لا بد من إصلاح العقليات السائدة والمُسيِّرة لوسائل الإعلام، ولا بد من تعليم الصحفيين في وسائل الإعلام كلها عقيدة احترام العربية كما يحترم الصحفي الإنجليزى أو الفرنسي الإنجليزية والفرنسية، بالعكوف الدائم على مراجعة نحوها ومعجمها ونطقها. لا يفوتنا الحديث عن النطق في هذه المقالة؛ متى يتعلم الإعلاميون في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أن للعربية قواعد نطق مسجلة محفوظة، وأن مراعاتها جزء من علم العربية؟ هل يتصور أن ينطق إعلامي فرنسي الفرنسية في وسائل الإعلام دائسا ومهشما تحت لسانه قواعد نطق الفرنسية؟ ما الحاصل الآن؟ الشرقي ينطق العربية في وسائل الإعلام عاملا بقواعد نطق الدارجة الشرقية، ولكن المصيبة في الشرق أهون, في الأردن ومصر والشام على الخصوص. والمصيبة العظمى في دول الشمال الأفريقي حيث تتقارب القواعد النطقية بين الدارجة العربية والأمازيغية، فتنقلب دمارا على نطق متاخمة لإخواننا العجم.

قواعد نطق العربية في وسائل الإعلام بحث آخر.

مواقع كهروبية لها اتصال بالمقابسة السابقة:

- واقع العربية في وسائل الإعلام لفهمي هويدي

www.isesco.org.ma

- وسائل الإعلام في اللغة العربية

Manssora.yoo7.com

- العربية المرئية

www.almaktabah.net

- وسائل الإعلام العربية

www.aljarida.it

- دليل الصحافة العربية

www.arab2.com

- الصحافة حارسة اللغة العربية

www.ahewar.org

- واقع اللغة العربية في أجهزة الإعلام

www.isesco.org.ma

- العلاقة بين الإعلام واللغة العربية

www.aawsat.com

- لغة الصحافة

v.3bir.com

- اللغة العربية في الصحافة المكتوبة

www.csla.dz

- اللغة العربية الفصحى في وسائل الإعلام

Abdekamel.maktoobblog/com

- الخطاب الصحفي

www.naja7net.com

- اللغة العربية في الصحافة المكتوبة بالجزائر

www.veecos.net

- علاقة اللغة العربية بالإعلام، مؤتمر مجمع اللغة العربية

www.yoom7/com

- اللغة العربية في وسائل الإعلام

www.islamweb.net

- توحيد المصطلحات في الإعلام, مجمع القاهرة

www.thermdianote.com

- لغة الإعلام وآثارها في تحقيق التنمية

www.aklam.net

- إشكالية اللغة العربية في الصحافة الجزائرية

www.sawt-alahrar/org

- وسائل الإعلام وواقع اللغة العربية

www.islamweb.net

- محاصرة العربية في قنوات التلفزيون المغربي لعادل الزبيري

Adelzobayri.canalblog.net

- المعركة اللغوية في المغرب. مقالة لمحمد العربي المساري مخيبة للأمل المعقود عليه وعلى حزبه المتظاهر بالمنافحة عن العربية في وجه الفرنكوفونية في المغرب. انزلق في المقال من مقاومة حزب الفرنكوفونية إلى الترحيب بالأمازيغوفونية وحزبها، والادعاء بكونها تعين العربية ولا تمثل حصاراً جديداً لها.  www.Aawsat.com.

التعليقات والمناقشات

- د. حامد صادق قنيبي/ جامعة الإسراء

رأى أن الخلاص من البلبلة التي تحدثها الصحافة والتدفق اللغوي العشوائي هو تفعيل هيمنة مجامع اللغة العربية ومكتب تنسيق التعريب في توحيد وتنميط الألفاظ.

- أ. د. عودة أبو عودة/ جامعة العلوم الإسلامية

تساءل: هل يمكن أن نحمل كثيراً من الألفاظ التي تغيَّرت دلالتها على التطور الدلالي الذي يمكن أن يطرأ على الكلمة من خلال الاستعمال واختلاف البيئة.

- د. زيد القرالَّة/ جامعة آل البيت

دعا إلى الاهتمام بقضية تيسير اللغة، ويقول: هناك جوانب في تيسير اللغة يجب أن نقف عليها ولا نخجل بها، وهذا بدوره ينعكس على التعليم في المدارس والجامعات، كما أننا كثيراً ما نعاني من قضية "قل ولا تقل" التي تضع اللغة في مأزق حقيقي.

- د. عمر الساريسي/ أستاذ جامعي متقاعد

فهم ما قاله الدكتور العلوي على أنه يندرج تحت قاعدة "قل ولا تقل"، ويخشى من أننا لو تمسكنا بهذه القاعدة نكون قد ضيَّقنا واسعاً، واللغة ينبغي أن تتطور وتتسع وتنمو وتصل إلى آفاق شاسعة كل يوم؛ لذا ينبغي أن نفتح المجال أمام تطور اللغة وتوسعها وأمام النقل المجازي واللغوي، فربما تكتسب اللغة ما هو أروع مما لديها.

- د. محمد دلوم/ جامعة بوضياف/ الجزائر

اتفق مع ما ذكره الدكتور العلوي من أن لغة الصحافة أحدثت تشويهاً بيِّناً في البنية التركيبية للغة العربية، ومنه ما يعرف بتأخر عمدة الكلام مثال قولهم:

"نزل من الطائرة متوجِّهاً إلى مطار القاهرة فخامة الرئيس الجزائري..." وهكذا، وهذا منقول عن الترجمة الفرنسية، كما تُرجمت عبارة "الرجال الصامدون" من الفرنسية إلى العربية بـ"الرجال الواقفون" ويقال في الجزائر –على سبيل التندر والسخرية من سوء الترجمة في هذه الجملة –استوردت الجزائر باخرة من الكراسي، فقيل لِمَ؟ قيل: حتى يجلس الرجال الواقفون.

- رد أ. د. أحمد العلوي

أكد الدكتور العلوي أنه لم يقصد بانحدار لغة الصحافة (قل ولا تقل)، وإنما أشار إلى أن لغة الصحافة غير واعية وهي لغة فاقدة للمنطقية بناءً على لغة كاتبها الذي لا يكلف نفسه عناء مراجعة لغته، بل يتخرج من مدرسة الصحافة وعلمه بالعربية قليل، فتجده يخترع لعباراته كلمات من لاوعيه اللغوي. بينما لو نظرت في الصحافة الفرنسية تكاد لا تجد خطأ لغوياً واحداً؛ لأن الصحفي الفرنسي يقضي وقته في مراجعة عباراته رغم أنه لغوي من الدرجة الأولى، ومن هنا يجب أن يشترط في الصحفي أن يكون لغوياً أو متقناً للغة العربية.

وفي سياق ردِّه على المطالبة بتيسير اللغة، يرى أن التيسير أغلوطة نشأت منذ أن عقد مجمع القاهرة مؤتمره سنة 1932م وجمع له طائفة من اللغويين مطالبين بتيسير تعليم اللغة العربية، بينما لا نسمع شيئاً عن تيسير الرياضيات أو الفيزياء، ولماذا لا ينادون بتيسير الفرنسية مثلاً، ونحو الفرنسية أصعب بكثير من نحو سيبويه، ولكن الفرنسيين يقرؤون نحوهم بتمعن ويجيدونه؛ لأنهم يعتزون بلغتهم.

 

الأستاذ الدكتور أحمد العلوي

رئيس اتحاد اللسانيين المغاربة

المملكة المغربية